الشيخ محمد علي طه الدرة

42

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فعل ، فيكون التقدير : ووضع أو : وثبت على أبصارهم غشاوة ، فتكون الجملة فعلية على هذا التقدير ، هذا ويقرأ غشوة بالنصب على تقدير : وجعل على أبصارهم غشاوة ، قال القرطبي : فيكون من باب قوله ، وهو الشاهد رقم [ 1074 ] من كتابنا فتح القريب المجيب : [ الكامل ] علفتها تبنا وماء باردا * حتّى بدت همّالة عيناها وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة ( الحشر ) رقم [ 9 ] : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ . . . إلخ ، وانظر سورة ( الحج ) رقم [ 20 ] ، وسورة ( الفرقان ) رقم [ 12 ] ، والهاء في الكلّ ضمير متصل في محل جر بالإضافة . ( لهم ) : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم . عَذابٌ : مبتدأ مؤخر . عَظِيمٌ : صفة عذاب ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها ، أو هي مستأنفة ، فلا محل لها على الاعتبارين . هذا والحالية ممكنة من الضمير المجرور محلّا بالإضافة ، وساغ مجيء الحال من المضاف إليه ؛ لأن المضاف جزؤه . هذا وإن اعتبرت عَذابٌ فاعلا بالجار والمجرور على قول الأخفش ، فتكون الجملة فعلية ، ومعطوفة على ما قبلها . تنبيه استدل بالآية الكريمة من فضّل السّمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ ، ومثلها كثير . وقال لتبرير قوله : والسّمع يدرك به الجهات السّت ، وفي النور ، والظلمة ، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة ، وبواسطة من ضياء ، وشعاع . وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السّمع ؛ لأن السمع لا يدرك إلا الأصوات ، والكلام . والبصر يدرك به الأجسام ، والألوان ، والهيئات كلّها ، قالوا : فلما كانت تعلقاته أكثر ؛ كان أفضل ، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات السّت . انتهى قرطبي بتصرف . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) الشرح : لمّا تقدم وصف المؤمنين في صدر السّورة بأربع آيات ، ثم عرف حال الكافرين بآيتين شرع اللّه تعالى في بيان حال المنافقين ؛ الّذين يظهرون الإيمان ، ويبطنون الكفر . ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس ؛ أطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية ؛ لينبّه إلى عظيم خطرهم ، وكبير ضررهم ، ووصفهم بصفات متعدّدة ، كلّ منها نفاق ، كما أنزل سورة ( براءة ) وسورة ( المنافقين ) فيهم ، وذكرهم في سورة ( النّور ) وغيرها من السور تعريفا بأحوالهم لتجتنب ، ويجتنب من تلبّس بها أيضا . والنّفاق : هو إظهار الخير ، وإسرار الشرّ ، إظهار الإيمان ، وإخفاء الكفر ، وهو نوع اعتقاديّ ، وهو الذي يخلد صاحبه في النّار ، وعمليّ بأن يتصف إنسان بصفاتهم ، ويعمل بأعمالهم من الكذب ، والخيانة ، والفجور ، وخلف الوعد ، وغير ذلك .